ابراهيم بن عمر البقاعي

526

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

رحمة منه لأهله ولطفا بهم تشريفا لنبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي وجد منهم الإقرار بذلك لا تُحَرِّمُوا أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقا لما أقررتم به ، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقا لطباعهم ملائما لشهواتهم فقال : طَيِّباتِ ما أي المطيبات وهي اللذائذ التي أَحَلَّ اللَّهُ وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك ، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي ، وأكد ذلك بقوله : لَكُمْ أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض ، لا ضر يلحقه ولا نفع ، لأن له الغنى المطلق . ولما أطلق لهم ذلك ، حثهم على الاقتصاد ، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطا وتفريطا فقال : وَلا تَعْتَدُوا فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل ، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة : إِنَّ اللَّهَ أي وهو الملك الأعظم لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت ، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول ، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك ؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي اللّه عنهما « أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم ، فنزلت : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ونزلت : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ » « 1 » [ المائدة : 88 ] . وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال : حسن غريب ، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا . وقال الواحدي : وتبعه عليه البغوي : قال المفسرون : « جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا ، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي اللّه عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن

--> ( 1 ) ضعيف . أخرجه الترمذي 3054 والطبراني في الكبير 11 / 11981 وابن جرير 12354 والواحدي في أسبابه ص 153 وابن عدي في الكامل 5 / 170 كلهم من حديث ابن عباس وذكره السيوطي في الدر 2 / 307 ونسبه لهؤلاء . قال الترمذي : حسن غريب . ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا . وقال ابن عدي في الكامل : في إسناده عثمان بن سعد ، وهو حسن الحديث مع ضعفه يكتب حديثه ا ه . وقال الحافظ في التقريب : عثمان بن سعد ضعيف ا ه . وورد بمعناه مرسلا . أخرجه الطبري في التفسير 12355 عن عكرمة قال : « وهمّ أناس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بترك النساء والخصاء فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا . . . » .